الرئيسية > فلسفة > وصف أفعال الوعي

  • كاتب المشاركة:

وصف أفعال الوعي

الفينومينولوجيا عند هوسرل منهج دارس لأفعال الوعي، وهي أفعال قبلية تؤسس موضوعات الخبرة في الوعي، يقول هوسرل “يمكن للوعي أن يُكتشف منهجياً بطريقة تمكِّن المرء من رؤيته وهو يعمل، حيث يلحق المعنى،، بالوجود،، ويمكن للمرء أن يرى أن ما هو حاضر في متناول اليد قد تشكل مسبقاً،، من خلال أداء سابق للوعي”، أي أن الموضوع نتيجة فعل موضعة من قبل الوعي،

ومن بين أفعال الوعي التي يدرسها هوسرل الاستبقاء، أي القدرة على الاحتفاظ بإدراكات حسية سابقة في أزمنة مختلفة لإدراك موضوع واحد مثل لحن موسيقى أو الأبعاد والزوايا المختلفة لشكل مجسم، ومن الواضح أن ما أطلق عليه هوسرل الاستبقاء قد ظهر في نظرية كانط وخاصة في استنباط الطبعة الأولى باعتباره فعلاً للوعي يقوم عن طريقه بـ “تركيب إعادة إنتاج الموضوع في المخيلة”، ولهذا التشابه في التحليل دلالات عديدة سوف نكشف عنها في الفصول القادمة، كما يدرس هوسرل فعلاً آخر للوعي يسميه “الاستباق” ، أي توقع بشكل لموضوع من خلال إدراك جانب واحد منه، مثل توقع أن يكون الجانب الخلفي من الكرة كروي مثل الجانب الأمامي، أو أن يكون للجانب المختفي نفس لون الجانب الظاهر، هذا بالإضافة إلى فعل ثالث للوعي وهو الخيال، أي القدرة على استحضار شئ في الخيال غير حاضر أمام الحواس، وهو ما سبق ظهوره عند كانط في حديثه عن ملكة المخيلة الترانسندنتالية ودورها في إعادة تمثل الموضوع في غيابه،

والوعي عند هوسرل فعل ولا يظهر إلا في صورة فعل أو نشاط أو وظيفة أو حركة؛ فهو عنده متحرك دائماً وليس ملكة ذات وظيفة ثابتة محددة، وهذا ما أدى بهوسرل إلى القول باختلاف بينه وبين كانط، لأن الوعي عنده ليس ملكة على شاكلة الملكات المعرفية الكانطية؛ ولا يقسم هوسرل الوعي إلى ملكات متمايزة كما فعل كانط، وهذا ما دفع هوسرل إلى الحكم على نظرية كانط في المعرفة بأنها ذات نزعة سيكولوجية لأنها ترد المعرفة إلى ملكات في الذهن البشري( )، لكن الحقيقة أن كانط قسم العقل الإنساني إلى ملكات على سبيل الشرح والتقريب وكطريقة في عرض نظريته في المعرفة التي اختلفت عن سابقاتها وكأسلوب مبسط في تقديم الأفكار وفي التحليل، ذلك لأن كانط لم يعالج أبداً ملكات المعرفة على أنها أعضاء فسيولوجية في الذهن، وعندما نتجاوز الاختلاف بين ملكات المعرفة عند كانط وأفعال الوعي عند هوسرل ونركز على التحليلات العينية للمعرفة عند كل منهما سوف يتضح مدى التقارب،

ويتضح تحليل هوسرل لأفعال الوعي من محاضراته التي لم تنشر في حياته بل بعد وفاته بفترة، وهي محاضرات بدأها هوسرل فور انتهائه من إصدار الجزء الثاني من “أبحاث منطقية” سنة 1901، وتنقسم هذه المحاضرات إلى تحليل فينومينولوجي للوعي بالزمان الداخلي بدأها سنة 1905، وتحليل لكيفية إدراك الشئ والمكان بدأها 1907، ودراسة للأسس الفينومينولوجية للمنطق بدأها سنة 1920 واستمر فيها حتى 1928، وهذه الدراسة الأخيرة هي التي جمعت بعد وفاته في كتاب بعنوان “الخبرة والحكم” سنة 1938،

يذهب هوسرل في “الخبرة والحكم” إلى أن إدراكي للشئ ليس تلقياً سلبياً بل هو نتيجة لأنني أحدد هوية هذا الشئ باعتباره شيئاً واحداً، إذ أستطيع أن أراه من عدة جوانب ومن منظورات مختلفة، إدراك الشئ إذن يتضمن أفعالاً مختلفة: تجميع جوانب الشئ معاً، واسترجاع إدراكاتي المختلفة له في أزمنة سابقة، وتجميعي لحالاته المختلفة التي يتغير فيها عبر أزمنة عديدة، ويشير هوسرل بذلك إلى أن التعرف على شيئية الشئ، أي التعرف على كونه جسماً مادياً ذا أبعاد هندسية، يعتمد على قدرتنا على مشاهدته من عدة زوايا وعبر أزمنة مختلفة، أفعال الوعي إذن هي التي تؤسس الوعي بشيئية الشئ، لكن هذه الأفعال يقوم بها الوعي بتلقائية وهو غير واع بها:

إن الوعي الساذج، من خلال جميع المدركات الحسية ودرجاتها التي يظهر بها موضوع الإدراك، يتوجه ناحية الموضوع نفسه: الموضوع الذي يُظهر نفسه في الإدراك الحسي على أنه كذا وكذا، هذا الوعي ليس شاعراً على الإطلاق بأن موضوعه المعطى في هذه الصفات الحسية هو في حد ذاته إنجاز، إنجاز عقلي من الدرجة الدنيا، ولذلك فإن هذا الوعي سوف يجد نفسه مجبراً على النظر إلى الإدراك الحسي على أنه توجه سلبي”، لأنه لا يعلم أن الإدراك الحسي نفسه إنتاج، إذ ينتج موضوعه ذاته، ونلاحظ في التحليل الأخير للنص السابق أنه يتشابه مع تحليل كانط للتركيب القبلي لموضوعات الإدراك الحسي والموجود في استنباط الطبعة الأولى وفي “المبادئ التركيبية للفهم الخالص”، وخاصة تحليله لمسلمات الحدس واستباقات الإدراك،

ويُحسب لهوسرل أنه برع في وصف أفعال الوعي بدقة متناهية وتفصيل كبير بصورة لا نجدها لدى كانط، إذ اكتفى كانط بتقديم صورة عامة شاملة لأفعال الوعي ولم يتوسع فيها بقدر توسع هوسرل، إذ كان هدفه الأساسي إثبات الإمكانية القبلية للخبرة كي يحكم على الميتافيزيقا التقليدية بأنها لا تتفق مع الشروط القبلية للخبرة الإنسانية، وتتضح دقة تحليلات هوسرل في توضيحه كيفية دخول الموضوع الفيزيائي للوعي، ذهب هوسرل إلى أن الموضوع الفيزيائي يحصل على هويته كموضوع، أي باعتباره جسماً ممتداً يشغل حيزاً مكانياً وحائزاً على جوهر وأعراض بفضل وجود أفعال قبلية في الوعي قادرة على التعرف عليه وعلى جوهريته وأعراضه، أي على خواصه المختلفة ووحدته وراء تغير هذه الخواص، ذلك لأن الإدراك الحسي ينطوي على قيام الوعي بأفعال التذكر والاستعادة لمدركات حسية سابقة، وكذلك على قدرة على جمعها والدمج بينها،

أفعال الوعي عند هوسرل تنتج مضمونها، وهي لا تستقبل الموضوع المحسوس لأنه هو نفسه منتج من قبل الوعي، الوعي لا يستقبل إلا الانطباعات، أما الشئ نفسه بموضوعيته وأحواله فهو من إنتاج الوعي، ذلك لأن العلاقة بين مادة الإدراك المكونة من انطباعات والموضوع المدرك هي علاقة جزء بكل، وتجميع الأجزاء للحصول على كل هي وظيفة أفعال الوعي( )، كما أن مادة الإدراك باعتبارها جزئيات لا تحصل على هويتها باعتبارها كذلك إلا في علاقتها بالكل الذي ينتجه الوعي،

وفي هذا السياق يميز هوسرل بين ثلاثة عناصر: المادة، والشكل، وفعل الوعي، وبعد أن يوضح هوسرل نظرية أرسطو في علاقة المادة بالشكل أو الصورة يذهب إلى أن العنصرين من فعل الوعي، وكذلك التمييز بينهما( )، فمادة الإدراك ليست مدركة موضوعياً قبل انعكاس الوعي على ذاته من أجل أن يشعر بفعله المعرفي، أي قبل الكوجيتو؛ ذلك لأن مادة الإدراك الحسي ليست معطاة بالكامل وبصورة تامة في الإدراك الحسي نفسه، يقول هوسرل:

“ليست لدنيا نية للقول بأن المضمون المادي،، حاضر في الخبرة الحسية بالطريقة التي يحضر بها في الخبرة [الواعية الممتلكة للوعي بالأنا أفكر]، إنه حاضر في الخبرة الحسية باعتباره حقيقياً، لكنه لم يكن مُدرَكاً [فيها] بطريقة موضوعية [باعتباره منتجاً من قبل الوعي]،”

يريد هوسرل القول بأن الشكل والمضمون باعتبارهما عنصرين للوعي مدركين من قبل الوعي الدارس لا الوعي المدروس، الوعي الممتلك للأنا أفكر؛ إنهما تجريدان وتمييزان لا يستطيع القيام بهما إلا الباحث الفينومينولوجي، وذلك بسبب كونهما عاملين على مستوى الإدراك الحسي بصورة تلقائية غير واعية، أما الباحث الفينومينولوجي فهو الذي يكتشفهما باعتبارهما نتاجين لأفعال الوعي،

 

اترك رد