الرئيسية > فلسفة > الحدس الحسي والحدس المقولي

  • كاتب المشاركة:

الحدس الحسي والحدس المقولي

الحدس المقولي عند هوسرل هو القدرة على إدراك العام والكلي المتضمن في المحسوسات في عملية الإدراك الحسي، يذهب هوسرل إلى أن هناك فرقاً بين إدراك اللون الأحمر باعتباره لوناً جزئياً متصفاً به شيئاً مفرداً، وإدراك اللون الأحمر باعتباره أحمراً بوجه عام، باعتباره نوعاً؛ إدراك اللون الأحمر في شئ معين يختلف عن إدراك كون الأحمر لوناً، أو نوعاً يندرج تحته أفراداً عديدين أو أشياء كثيرة تتصف باللون الأحمر، ويذهب هوسرل إلى أن هذا التمييز هو تمييز مقولي، لأنه ليس تمييزاً بين مدركات حسية بل تمييز بين النوع وأفراده، هناك إذن شيئان: تمييز مقولي وحدس مقولي: التمييز المقولي هو الذي يجعلنا ندرك أن هناك فروقاً بين نوع وأفراده، والحدس المقولي هو إدراك ما هو مقولي في الجزئيات، والحدس المقولي هذا يسميه هوسرل أيضاً الوعي بالكلي، لكن يقول هوسرل بعد ذلك عن التمييز المقولي إنه: “يتصل بالشكل الخالص للموضوعات الممكنة للوعي”، وهذا جانب كانطي واضح تماماً، فعلى الرغم من جدة التحليلات الفينومينولوجية التي يأتي بها هنا إلا أنه لا يزال ينظر إلى اكتشافاته الفينومينولوجية في إطار كانطي، إطار سؤال الإمكان الكانطي ونطاق القبلي الذي يجعل الوعي بشئ أو معرفته ممكنة،

كما يعني الحدس المقولي عند هوسرل أن الكليات تشاهد أو تحدس في الإدراك الحسي نفسه، ففي إدراكنا لكرسي أحمر ندرك أن الأحمر هذا لون تتصف به أشياء كثيرة غير الكرسي، وبالتالي ندرك أن الكرسي يتصف بشئ كلي وأنه جزء من مجموع ما يضم الأشياء المتصفة باللون الأحمر، الكل أو الماهية تحدس مع الجزء أو موضوع الإدراك الحسي، فهي مصاحبة له، والملاحظ أن الوعي الفينومينولوجي فقط هو الذي يستطيع أن يعرف، بالتحليل الفينومينولوجي، هذه الظاهرة، أما الوعي العادي أو الطبيعي فلا يعرفها، إدراك الجزء هو المناسبة أو الظرف الذي يمكننا من حدس الكل، ويضيف هوسرل أننا نستطيع أن نجرد من الكرسي أشياء كثيرة، أي أجزاء مكونة له مثل الأرجل ونستطيع تصوره بدونها، لكننا لا نستطيع أن نجرده من لونه، اللون شئ كلي بمعنى أنه جوهري وضروري وماهوي، أي داخل في ماهية الشئ، ماهية الشئ وجوهريته أن يكون حائزاً على لون، ولا يمكن تصور أو إدراك شئ بدون لون، اللون إذن هو الكلي أو الماهوي المدرك في إدراك حسي مع الأجزاء الأخرى،

ويذهب هوسرل إلى أن هناك علاقة تبادلية بين الإدراك الحسي والحدس المقولي، فالاثنان يؤسسان بعضهما البعض: حدس المقولة هو الذي يمكِّن الإدراك الحسي من معرفة ملامح وصفات وأجزاء الشئ بما أن هذه الأجزاء ليست مستقلة بل هي أجزاء لكل، وكذلك الإدراك الحسي هو الآخر يؤسس الحدس المقولي بما أن هذا الإدراك الحسي هو الذي يعطي الأجزاء التي يظهر فيها الكل للحدس المقولي، لقد اقترب هوسرل من هيجل هنا بالضبط في إدراكه أن هناك علاقة تبادلية قوامها التأسيس المتبادل بين الإدراك الحسي والحدس المقولي، وهذا بسبب العلاقة التبادلية التي كشف عنها هيجل بين الكل والأجزاء، الكل يدركه حدس مقولي والأجزاء يدركها إدراك حسي، إلا أن هوسرل يفهم مغزى هذه العلاقة التبادلية فهماً كانطياً على أن الحدس المقولي هو الذي يؤسس ترانسندنتالياً وقبلياً الإدراك الحسي، وهذا هو الهاجس الكانطي لديه،

هناك فرق بين المقولي (Categorical) والمقولة، المقولي هو السابق على المقولة، إنه مقولة أولية أو مبدئية، وتعبر أدوات الإشارة عنه مثل فعل الكينونة “هو” is، وكون الشئ موجوداً being و”هذا” this، بالإضافة إلى أدوات الفصل والتمييز مثل “لكن” but و”أو” or، هذه الأدوات اللغوية كلية لأنها تستخدم في كل الحالات التي نقابلها، وكليتها هذه تشير إلى أفعال معرفية قبل مقولية، أي سابقة على التجسد في مقولة، ذلك لأنها تعبيرات أولية عن مقولات الجوهر والزمان والمكان والسببية والضرورة والإمكان، ويكشف استخدام هذه الأدوات في لغة الإدراك الحسي عن أن للمقولة حضور في الحس في مستوى أولي سابق على ظهور المقولة ذاتها للفكر، هذا المستوى المقولي لا ينتمي كلية إلى الذات ومقتصر عليها بل ينتمي إلى الموضوع ذاته، وليس فعلاً للوعي، لأننا إذا حللنا الوعي سنجد أن به أفعالاً مثل الحكم والإدراك والتخيل والتذكر، والمقولي لا ينتمي إلى هذه الأشياء بل ينتمي إلى الموضوع ذاته، و هذا عكس التجريبية الإنجليزية وكانط والمثالية الألمانية التي ذهبت إلى أن هذا المقولي غير موجود في الإدراك الحسي وبالتالي فهو ذاتي وهو نتيجة للحس الداخلي أو الانعكاس على الذات، ويذهب هايدجر إلى أن الفينومينولوجيا تقوم بثورة كبيرة عندما تضع هذا المقولي في الحدس وفي الموضوع ذاته لا في الذات أو في الانعكاس على الذات،

ويذهب هوسرل إلى أن الإدراك الحسي ليس تلقياً سلبياً للإحساسات من الخارج بل يتضمن إحضار الموضوع إلى الوعي والمشاركة في تأسيسه باعتباره موضوعاً، بمعنى أن الإدراك الحسي لشئ يتضمن إدراكه من جميع جوانبه مع معرفة كونه واحداً، فعلى الرغم من أنني أشاهد بيتاً من عدة زوايا إلا أنني أعرف أنه بيت واحد لا عدة بيوت، فاختلاف المنظورات لا يؤدي إلى اختلاف الشئ المدرك بل هناك وعي بهوية واحدة للشئ المدرك من عدة منظورات، وكذلك بالنسبة للأوقات المختلفة التي أدرك فيها الشئ فأنا لا أدرك أشياء متعددة بل شيئاً واحداً في أزمنة مختلفة، هذا الإدراك الحسي إذن يتضمن الوعي بحضور الشئ ودوامه وهويته وهي أشياء لا أحضرها أنا من عندياتي بل هي متضمنة في إدراكي للأشياء،

والحدس المقولي عند هوسرل مباشر مثل الحدس الحسي تماماً، ذلك لأننا في إدراكنا لكرسي أصفر لا ندرك الكرسي أولاً في حد ذاته ثم الأصفر أو كون لونه أصفر أو العكس، ثم نربط بين الاثنين ونحصل على علاقة الكرسي بلونه كونه كرسياً أصفر، بل نحن ندرك العلاقة مباشرة، لا ندرك عناصر الإدراك الحسي منفصلة ثم نركبها بل ندرك الموضوع مركباً وفي علاقاته دفعة واحدة( )، الإدراك الحسي إذن يتضمن فعلاً تركيبياً تلقائياً يحدس مباشرة وبلا توسط، هذا بالإضافة إلى كون لون الكرسي أصفر هو جزء، أما إدراك الكرسي ذاته فهو كل، ذلك لأننا يمكن أن نتصور الكرسي بدون اللون الأصفر، كما أن اللون الأصفر ليس داخلاً في ماهية الكرسي الذي ندركه ولذلك فاللون الأصفر جزء من كل، لكننا في إدراكنا للكرسي لا نميز بين كل وجزء وعلاقة بينهما بل ندرك الظاهرة كلها في عموميتها، لكن الإدراك الحسي يستطيع أن يعرف كل ذلك، ويعرف أن ما يراه مكون من موضوع ومحمول أو كل وجزء،

إن المرء عندما يدرك بيتاً مثلاً لا يدرك جزئياته وتفاصيله أولاً بل يدركه دفعة واحدة في كليته وباعتباره كلاً، يدرك نوعه (Species) مباشرة، وهذا هو الحدس المقولي باعتباره إدراكاً للكلي أو المقولي الذي تتم صياغته بعد ذلك في صورة مقولات، وعندما نرى كرة حمراء مثلاً نكون مدركين أن هذا اللون هو لون لأشياء كثيرة غير هذه الكرة، ندرك مباشرة لكن بصورة ضمنية أن الكرة تتصف بشئ كلي، مقولي، ولا ندرك مثلاً أن هذه الكرة فقط هي وحدها الحمراء بل نكون على علم بأن أشياء أخرى غيرها تتصف بنفس اللون، لا لأننا رأيناها بالفعل، بل لأن لدينا حدساً مقولياً، إدراكاً للكلي المتضمن في الشئ، إدراكاً ووعياً بأن الشئ يتصف بكليات وبأن صفاته كلية أو مقولية،

اترك رد